بقلم: منعم سليمان
كانت العرب قبل الإسلام، رغم جاهليتها، تُعظّم الأشهر الحرم وتكفّ فيها عن القتال وسفك الدماء. لقد عرفت الجاهلية حرمة الدم، بينما غابت تلك الحرمة عن دولة قامت، منذ نشأتها، على ادعاءات حماية بيضة الدين والدفاع عن مقدساته!
كشف التسريب المتداول للمنشق من الدعم السريع، علي رزق الله الشهير بـ”السافنا”، جانباً خطيراً من الدور السعودي في الحرب السودانية، وفي إعادة تدوير المتورطين في الدم السوداني، عبر منحهم الحماية والمال وإعادتهم إلى المشهد بوصفهم أدوات جديدة لإطالة أمد الحرب ومضاعفة مأساة السودانيين.
في التسجيل المسرّب، لا يتحدث السافنا من مخبأ معزول أو منفى خائف، بل من قلب الرياض، ومن نزل فاخر يقع قبالة وزارة الداخلية السعودية. وهذا الموقع ليس مجرد مصادفة جغرافية، بل إشارة فاضحة إلى حجم الرعاية التي توفرها السعودية لقتلة السودانيين، وإلى طبيعة الدور الذي تلعبه في إدارة الحرب من خلف ستار “الوساطة” وادعاءات “السعي للسلام”، بينما تواصل في الواقع تمويل أمراء الحرب وشراء الولاءات وتمزيق ما تبقى من وحدة السودان ونسيجه الاجتماعي.
والأخطر في التسريب، تحذير السافنا لمحدثه من نشر خبر وجوده هناك، بما يكشف إدراك السعودية لخطورة الدور الذي تؤديه في حماية شخصيات متورطة في القتل والنهب والانتهاكات الواسعة التي شهدتها الخرطوم والجنينة والنهود والفاشر منذ اندلاع الحرب.
لا شك أن السعودية لم تعد، بعد كل هذه الوقائع، مجرد وسيط سياسي يمكن الاختباء خلف بياناته الدبلوماسية الباردة، بل أصبحت طرفاً مباشراً في الحرب السودانية، وشريكاً في تبييض القتلة وإعادة تأهيل مجرمي الحرب تحت لافتات سياسية زائفة.
فبدلاً من الدفع نحو محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، يجري استقبالهم ورعايتهم وتمويلهم، ثم إعادتهم إلى المشهد ضمن ترتيبات تخدم استمرار الحرب وتضمن بقاء السودان ساحة مفتوحة للفوضى والدمار والتدخلات الإقليمية.
إن أخطر ما تصنعه السعودية في السودان ليس فقط تمويل الحرب، بل ترسيخ فكرة أن القتلة يمكن أن يتحولوا، متى ما اقتضت المصالح، إلى شركاء سلام يحظون بالحماية والرعاية والمال بعد كل ما ارتكبوه من فظائع. وهذه قطعاً ليست صناعة سلام، بل صناعة لوحش دائم يعيش على الدم السوداني.
فمن يؤوي القتلة ويمولهم ويعيد تدويرهم لا يسعى إلى إطفاء الحرب، بل إلى إدارتها والتحكم في مساراتها بما يخدم مصالحه ونفوذه الإقليمي.
لقد بات واضحاً أن شعارات “السلام” و”وقف الحرب” التي ترفعها السعودية ليست سوى غطاء سياسي هشّ تخفي خلفه دوراً متزايداً في تمويل الحرب وإعادة إنتاج الخراب السوداني.
فالسلام لا يُصنع بصفقات السلاح الباكستانية، أو إيواء أمراء المليشيات، ولا بتلميع المتورطين في الدم، ولا بتمويل أدوات الحرب، بل بمحاسبة القتلة وإنصاف الضحايا وتجفيف مصادر الخراب.
أما غسل الجرائم تحت لافتة الوساطة السياسية، فليس سوى شراكة كاملة في الدم السوداني، وإسهام مباشر في إطالة المأساة وتعميق الجراح المفتوحة.






