الشرعية قبل الفيدرالية
دكتور الوليد آدم مادبو
لا تمثل هذه السلسلة رداً على شخص أو انتقاصاً من جهد وطني مخلص. فقد بذل سعادة السفير نورالدين جهداً كبيراً ومقدراً في البحث عن مخرج للأزمة السودانية، وهو جهد يستحق الاحترام والتقدير. غير أن اختلافنا معه ينصرف إلى الفرضية التي ينطلق منها المشروع، لا إلى دوافعه الوطنية. ومن واقع اشتغالنا بقضايا الحوكمة والتنمية الدولية، نرى أن السؤال الذي يسبق إعادة هيكلة الدولة هو سؤال الشرعية التي قامت عليها الدولة نفسها.
ليس كل بيت متصدع يحتاج إلى الترميم؛ فبعض البيوت تكمن أزمتها في الأساس الذي أُقيمت عليه.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس: كيف نعيد هيكلة الدولة؟ بل سؤال أكثر جذرية: هل الدولة التي نشأت عام 1956 تمتلك من الأساس شرعية سياسية وأخلاقية تجعل إصلاحها ممكناً، أم أننا نحاول مرة أخرى ترميم بناء لم يكتمل تأسيسه أصلاً؟
قد يبدو هذا السؤال فلسفياً، لكنه في الحقيقة سؤال عملي، لأن طبيعة الإجابة عنه هي التي تحدد طبيعة الحلول الممكنة. فإذا كانت الأزمة مجرد خلل في الإدارة، فإن إعادة توزيع السلطات قد تكون كافية. أما إذا كانت الأزمة كامنة في الأساس الذي قامت عليه الدولة، فإن تغيير الهياكل لن يكون سوى إعادة ترتيب للأثاث داخل بناء لا يزال أساسه محل نزاع
وهنا يكمن، في تقديري، موضع الاختلاف مع المقترح الذي قدمه سعادة السفير نورالدين.
فالوثيقة تبذل جهداً واضحاً في الإجابة عن سؤال: كيف تُدار الدولة؟ فهي تقترح نظاماً فيدرالياً، وتقسيماً جديداً للأقاليم، وتوزيعاً مختلفاً للاختصاصات، ورئاسة منتخبة، ومجلساً اتحادياً، وجيشاً قومياً موحداً. وكلها قضايا تستحق النقاش.
غير أن هذه الإجابات جميعها تنتمي إلى مستوى واحد من التفكير؛ فهي تعالج شكل الدولة، لكنها لا تتوقف بما يكفي عند سؤال يسبقها جميعاً: أي دولة نريد أن ندير؟
فالهيكلة ليست مشروعاً في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق غاية أسبق منها. والدساتير ليست رسومات هندسية لتوزيع السلطات، وإنما التعبير القانوني عن عقد اجتماعي يحدد العلاقة بين الدولة والمجتمع. وإذا كان هذا العقد نفسه موضع خلاف، فإن أي إعادة للهيكلة ستظل، مهما بلغت من الإتقان، تدور داخل الإطار القديم.
ولعل أول ما يستدعي المراجعة هو مفهوم دولة 1956 نفسه.
ولا أقصد بهذا المصطلح سنة الاستقلال، ولا التقليل من القيمة الوطنية لذلك الحدث، وإنما أقصد النموذج السياسي الذي ورث مؤسسات الحكم الاستعماري، ثم أعاد إنتاجها دون أن يعيد تأسيس العلاقة بين الدولة ومكوناتها المختلفة على أساس المواطنة المتساوية.
لقد غادر المستعمر، لكن البنية المركزية التي أنشأها بقيت، إلى حد بعيد، كما هي. تغيرت الحكومات، وتعاقبت الأنظمة، لكن منطق الدولة ظل يعيد إنتاج المركز نفسه، بينما بقيت قطاعات واسعة من المجتمع تنظر إلى الدولة باعتبارها سلطة فوقها، لا تعبيراً عنها.
وهنا يثور السؤال الذي أراه مفتاح النقاش كله: هل امتلكت دولة 1956 عقداً اجتماعياً جامعاً منذ لحظة ميلادها؟
فإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فإن الحديث عن الإصلاح المؤسسي يصبح منطقياً. أما إذا كانت الإجابة بالنفي، فإننا لا نكون بصدد إصلاح دولة مكتملة، بل بصدد محاولة لتسوية أزمة صاحبت ميلادها منذ البداية.
ومن هنا أصل إلى النقطة التي أعتقد أنها تمثل الحلقة المفقودة في الوثيقة، وهي التمييز بين الحكومة والحوكمة.
فهذا التمييز لم يعد مجرد نقاش أكاديمي، بل أصبح أحد أهم التحولات التي شهدها علم الإدارة العامة خلال العقود الأخيرة.
فالحديث عن الحكومة ينصرف إلى مؤسسات الدولة، وإلى من يملك السلطة وكيف تُوزع الصلاحيات. أما الحوكمة فتتعلق بالطريقة التي تُدار بها تلك السلطة، وبالمنظومة التي تجعلها خاضعة للمساءلة وقادرة على بناء الثقة.
وهنا يبرز الخلط المنهجي الذي وقعت فيه الوثيقة بين المفهومين. فالحكومة تقوم على قدرة الدولة على التحكم عبر مؤسساتها وأجهزتها، أما الحوكمة فلا تُقاس بالتحكم، وإنما بالإحكام الذي يشمل التنسيق الفعال والتفاعل المستمر بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والسلطات المحلية وسائر الفاعلين في المجال العام، في إطار من الشفافية والمساءلة والثقة المتبادلة.
وقد عبّر R. A. W. Rhodes عن هذا التحول في كتابه The New Governance: Governing without Government، مبيناً أن جودة الدولة الحديثة لا تُقاس بحجم سلطتها، بل بقدرتها على إحكام إدارة العلاقات بين مختلف الفاعلين. فالحكم الرشيد لا يقوم على احتكار القرار، وإنما على بناء منظومة تجعل الدولة قادرة على قيادة المجتمع دون أن تنفرد بإدارته.
وهذا ما يميز الدولة الحديثة عن الدولة التقليدية. فالأولى لا ترى المجتمع المدني والقطاع الخاص والجامعات والنقابات والسلطات المحلية مجرد أطراف تُنفذ قرارات الحكومة، وإنما شركاء في إنتاج السياسات العامة وتنفيذها وتقويمها. ولذلك لم تعد كفاءة الدولة تُقاس بقدرتها على إصدار الأوامر، بل بقدرتها على تنسيق الأدوار، وبناء الثقة، وإدارة الاختلاف، وتحويل التعدد إلى مصدر قوة لا إلى سبب للصراع.
ومن هذه الزاوية، تبدو الفيدرالية أداة محتملة لتحسين توزيع السلطة، لكنها ليست ضمانة لحسن إدارتها. فقد تنجح دولة مركزية إذا قامت على مؤسسات خاضعة للمساءلة، كما قد تفشل دولة فيدرالية إذا أعادت إنتاج الفساد والمحسوبية على مستوى الأقاليم بدلاً من المركز. إن نقل السلطة جغرافياً لا يعني بالضرورة إصلاح طريقة ممارستها، كما أن توسيع المشاركة السياسية لا يؤدي تلقائياً إلى توسيع المشاركة في صنع القرار.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كم إقليماً نريد؟ ولا كيف نوزع الاختصاصات؟ وإنما: هل تعالج هذه الترتيبات أزمة الشرعية التي صاحبت الدولة السودانية منذ نشأتها، أم أنها تؤجلها مرة أخرى؟
ذلك هو السؤال الذي أراه سابقاً على الفيدرالية، وسابقاً حتى على الدستور نفسه، لأنه يتعلق بالأساس الذي تُبنى عليه الدولة، لا بالشكل الذي تُدار به.
ولعل أخطر ما في التعامل مع أزمة السودان بوصفها أزمة هياكل فقط، أنه يفترض ضمناً أن الدولة التي ورثناها بعد الاستقلال كانت دولة مكتملة الشرعية، وأن المطلوب ليس أكثر من تحسين إدارتها. غير أن التاريخ السوداني لا يسند هذا الافتراض بسهولة.
فمنذ السنوات الأولى للاستقلال، لم تعرف البلاد استقراراً سياسياً مستداماً، بل دخلت في سلسلة متصلة من الحروب الأهلية، والانقلابات العسكرية، والانتفاضات الشعبية، واتفاقيات السلام التي ما لبثت أن انهارت الواحدة تلو الأخرى. وليس من السهل تفسير هذا التاريخ الطويل باعتباره مجرد سوء إدارة أو تعثر في تطبيق الدساتير، لأن الأزمات تكررت رغم اختلاف الأنظمة، وتعدد الدساتير، وتنوع الصيغ الدستورية بين المركزية والفيدرالية.
وهذا يدفعنا إلى التساؤل: أليس من الأجدر أن نراجع الفرضية نفسها التي انطلقت منها كل تلك المحاولات؟ أي فرضية أن المشكلة تكمن في طريقة إدارة الدولة، لا في طبيعة الدولة ذاتها؟
لقد ظلت معظم المبادرات السياسية السودانية تنطلق من سؤال واحد: كيف نعيد توزيع السلطة؟ بينما بقي سؤال آخر مؤجلاً: على أي أساس توزع هذه السلطة أصلاً؟ ومن أين تستمد الدولة مشروعيتها؟ وما الذي يجعل مواطنيها يشعرون بأنها تعبر عنهم جميعاً، لا عن فئة أو إقليم أو نخبة بعينها؟
إن الفرق بين السؤالين ليس فرقاً في الصياغة، بل هو الفرق بين الإصلاح والتأسيس.
فالإصلاح يفترض وجود بناء سليم أصابه الخلل، أما التأسيس فيفترض أن الخلل قد يكون كامناً في التصميم الأول نفسه. وإذا اختلط هذان المستويان، فإننا قد ننجح في إصلاح المؤسسات، بينما تظل الأزمة التي أنتجتها قائمة دون تغيير.
ولذلك فإنني لا أرى أن المشكلة الأساسية في مقترح سعادة السفير نورالدين هي اختياره للفيدرالية، ولا في عدد الأقاليم، ولا في توزيع الاختصاصات بين المركز والولايات. فهذه كلها خيارات اجتهادية يمكن الاتفاق أو الاختلاف حولها.
إنما تكمن المشكلة، في تقديري، في الفرضية التي يبدأ منها المشروع كله، وهي أن دولة 1956 تمثل إطاراً شرعياً يمكن إصلاحه وإعادة هيكلته، بينما أرى أن هذه الفرضية نفسها تستحق أن تكون موضوع النقاش الأول.
وهذا لا يعني الدعوة إلى هدم الدولة، ولا إلى القطيعة مع تاريخها، وإنما يعني التمييز بين الدولة باعتبارها ضرورة لتنظيم المجتمع، وبين النموذج السياسي الذي أدار تلك الدولة طوال العقود الماضية. فليس كل ما ورثناه من تجربة ما بعد الاستقلال مقدساً، كما أن مراجعته لا تعني التنكر لتاريخ السودان أو لتضحيات أجياله.
ومن هنا، فإن احترام الجهد الكبير الذي بذله سعادة السفير نورالدين يقتضي، في رأيي، توسيع دائرة النقاش، لا تضييقها. فبدلاً من أن ينحصر الحوار في شكل الفيدرالية أو عدد الأقاليم، ينبغي أن يمتد إلى السؤال الذي يسبق ذلك كله: هل نتحدث عن إصلاح دولة قائمة، أم عن استكمال تأسيس دولة لم يكتمل عقدها الاجتماعي منذ الاستقلال؟
هذا هو السؤال الذي أرى أنه ينبغي أن يسبق كل حديث عن إعادة الهيكلة، لأن الشرعية ليست نتيجة للدستور، بل الدستور هو نتيجة للشرعية. وحين ينعكس هذا الترتيب، تصبح النصوص أكثر إحكاماً، بينما تظل الدولة أقل استقراراً.






