علي أحمد
على طريقته التي لا تعرف الكوابح، وكأنه مراهقٌ غرّ وشخص فاقدٌ للأهلية العقلية والقانونية، طفق الجنرال “ياسر العطا” يضرب يمنةً ويسرةً كثورٍ هائجٍ في مستودع خزف، وليس كرجلٍ مسؤولٍ ومنضبط، مثرثرًا في سرادق عزاء، فكال للجميع ولم يستثنِ أحدًا.
كان الجنرال، في زيارة إلى مدينة القضارف، يقدم العزاء لعائلة المقدم حسن إبراهيم (من إعلام الجيش)، الذي لقي حتفه أمام بوابة القصر الجمهوري مع ثلة من الإعلاميين إثر استهدافه بطائرة مسيّرة غداة انسحاب قوات الدعم السريع من الموقع – ولا أعرف السر في الاهتمام المتزايد بهذا المقدم دون سواه، وقد شاهدنا في هذه الحرب عشرات الضباط أعلى رتبه منه تتعفن جثثهم على الشوارع ويصبحون وليمة لكلاب الشوارع دون أن يسأل عنهم أحد؟!.
المهم، كعادة العطا، لم يفوت الفرصة التي أتيحت له أمام الجمهور، فأطلق العنان للسانه الزفر، عابثًا به فسادًا وتخريبًا. حيث قال الرجل الذي يشغل منصب مساعد قائد الجيش – وبذلك يصبح هذا الموقف رأيًا رسميًا للجيش –: “سنقتص من الإمارات ومراكز النفوذ العميلة الفاسدة في دولة جنوب السودان، وسنقتص من الرئيس التشادي محمد كاكا، ونحذّره من أن مطاري إنجمينا وأم جرس أهدافٌ مشروعةٌ للقوات المسلحة السودانية”.
لا شك أن هذا إعلان حربٍ مكتمل الأركان على تشاد وجنوب السودان، فضلًا عن دولة الإمارات العربية المتحدة. وهذا ما أكدته وزارة الخارجية التشادية في بيانها، إذ اعتبرت تصريحات المسؤول السوداني تهديدًا صريحًا لأمن وسلامة تشاد، وعدّتها تصعيدًا خطيرًا يهدد استقرار المنطقة بأسرها. كما اتهمت الخرطوم بمحاولة زعزعة استقرار تشاد عبر وسائل إرهابية، مؤكدةً حق إنجمينا في الرد بحزم على أي محاولة اعتداء على أراضيها وفقًا للقوانين الدولية. وطالبت قادة الجيش السوداني بالتركيز على وقف إطلاق النار في بلادهم بدلًا من إطلاق التصريحات العبثية.
ويالها من تصريحات عبثية حقًا، لا جدوى منها ولا إمكانيات لتنفيذها، في ظل حرب أظهرت ضعف قدرات الجيش وقادته. فمساعد قائد الجيش نفسه ظل محاصرًا في قاعدة سلاح المهندسين بأمدرمان لما يقارب العام، وهو ذات الوضع الذي عاناه قائد الجيش. كما أن جيشه الضعيف لم يحقق أي تقدمٍ عسكري يُذكر إلا بعد نحو عامين من إشعاله الحرب، وبمساعدة أجانب يديرونها له بطائراتٍ مسيّرة. وبالتالي، فإن محاولة غسل هذا العار بإلقائه على دول الجوار ليس سوى عبثٍ لا طائل منه، في وقتٍ ما تزال فيه أجزاءٌ واسعةٌ من السودان تحت سيطرة قوات الدعم السريع. وكان على قيادة الجيش أن تركز على ذلك، كما جاء في بيان الخارجية التشادية الرصين.
إن هذا الخطاب التخريبي (السبهللي) لم تُكلّف قيادة الجيش بإلقائه على لسان هذا الجنرال الغائب عن الوعي إلا لعلمها بأنه الأنسب لهذا الدور، فلا يوجد حتى وسط أتفه الضباط الصغار من يقبل القيام بهذه المهمة التافهة. لكن العطا – لسان البرهان المستتر- بحماسته الشديدة للتفاهة، وكشخص منخور من أعلاه وأسفله يناسبه لعب دور “حكّامة” الجيش، وهي مهمة تناسب قدراته العقلية والفكرية، وتنسجم مع شخصيته الفضائحية غير السوية وسلوكه الشاذ!
إن خطاب “العطا” مسيءٌ للسودان والسودانيين، ومخجل. فهذا العبط لا يمثل الإنسان السوداني، فالسودانيون معروفون بأدبهم الجمّ، الذي اشتهروا به، لكن هذا الرجل أطاح بكل ذلك، وركله بضربةٍ واحدة. ولذلك، فعلى السودانيين التصدي له حفاظاً على سمعتهم وسمعة بلادهم، لأن قيادة الجيش لن تفعل ذلك، إذ إنها هي التي تدفعه لهذا الدور الحقير، باعتباره نفايةً عسكرية وسياسيةً يجب التخلص منها، كما يتم التخلص من النفايات والقاذورات بالمدافن والمحارق، وأيضاً لكونه شخصًا تافهًا ليس له قبول في المحيطين الإقليمي والدولي، مما يجعله غير جديرٍ أو مؤهلٍ لتولي أي منصبٍ سياسي أو عسكري في دولتهم المتوهمة.
إن عملية حرق الجنرال تجري على قدمٍ وساق، لكن الدخان الكثيف المنبعث منها يخنق السودان، ويصيبه بضيق التنفس خارجيًا ودبلوماسيًا.
احرقوه، لكن دون أن يصدر هذه الدوامات الكثيفة من الدخان العفن.