منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم يكن النزوح واللجوء خيارًا بل قَدَرًا. ملايين السودانيين خرجوا من بيوتهم هربًا من الموت، القصف، الاغتصاب، والنهب المنهجي الذي مارسته أطراف الحرب وأدى إلى انهيار الدولة. وكان من الطبيعي أن تتجه أعداد كبيرة من بني وطني شمالًا، نحو مصر، الدولة التي طالما وُصفت في الخطاب الرسمي والشعبي السوداني بأنها “الشقيقة الكبرى” و”العمق التاريخي”.
غير أن الواقع اليوم، في شوارع القاهرة، الجيزة، الإسكندرية، وأسوان، يقول شيئًا مختلفًا ومؤلمًا.
من لاجئ حرب إلى مطارد يومي
لم يأتِ السودانيون إلى مصر سياحة أو ترفًا.
جاؤوا هربًا من حرب إبادة، يحملون في حقائبهم:
•شهادات جامعية
•ملفات مرضى
•وثائق هروب
•وذاكرة مليئة بالصدمة
ومع ذلك، بات السوداني اليوم يُعامل في كثير من الأحيان كمخالف، لا كلاجئ حرب.
تشهد الأشهر الأخيرة:
•حملات تفتيش في الشوارع
•مداهمات للأحياء ذات الكثافة السودانية
•توقيف عشوائي
•احتجاز في أقسام الشرطة ومراكز الترحيل
ولا يفرّق هذا الواقع بين:
•طالب طب في سنته الخامسة
•مهندس
•أم تحمل أطفالها
•لاجئ يحمل بطاقة صفراء من مفوضية اللاجئين
•أو شخص لم يتمكن بعد من استخراج إقامة بسبب بطء الإجراءات
الكل عرضة للتوقيف.
قانونيًا: ماذا تقول مصر نفسها؟
مصر موقعة على:
•اتفاقية 1951 للاجئين
•بروتوكول 1967
•الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان
وهذه الاتفاقيات تلزم الدولة بـ:
•عدم الإعادة القسرية
•عدم الاحتجاز التعسفي
•توفير الحماية لطالبي اللجوء
لكن ما يحدث على الأرض يناقض هذه الالتزامات:
•لا يُفرج عن البعض رغم إظهارهم أوراق المفوضية
•تُستخدم الإقامة كأداة ضغط
•يُحتجز الناس أسابيع بلا توكيل محامٍ
وهذا ليس خللًا إداريًا فقط، بل انتهاكًا قانونيًا موثقًا.
أين السفارة السودانية؟
السؤال المؤلم الذي يتردد في كل تجمع سوداني:
هل السفارة لا تعلم؟
أم تعلم وتسكت؟
أم لا تملك أي نفوذ؟
لم نرَ:
•بيانات احتجاج رسمية
•مرافعات قانونية
•وجودًا دائمًا لمحامين للدفاع عن المحتجزين
•أو حتى منصة شفافة لنقل شكاوى السودانيين
وكأن المواطن السوداني، ما إن يعبر الحدود، يصبح بلا دولة.
أين المنظمات الدولية؟
مفوضية اللاجئين (UNHCR) تعمل، نعم،
لكن قدرتها محدودة أمام:
•حجم النزوح
•غياب الضغط السياسي
•وتراكم الملفات
أما منظمات حقوق الإنسان الدولية، فصوتها خافت، إن لم يكن غائبًا.
وهنا يظهر السؤال الأخلاقي الكبير:
هل لأن السودانيين أفارقة؟
أم لأن حربهم لا تحظى بأضواء الإعلام؟
لاجئون أم رهائن؟
اليوم، يعيش آلاف السودانيين في مصر:
•داخل مراكز الترحيل
•أو في بيوتهم خوفًا من الخروج
•أو في وضع قانوني هش
وهذا ليس لجوءًا…
هذا تعليق حياة.
لا يستطيع أن يعمل.
لا يستطيع أن يسافر.
لا يستطيع أن يشتكي.
ولا يستطيع أن يعود إلى السودان لأن العودة تعني الموت.
خاتمة: سؤال لا مفر منه
إلى متى؟
إلى متى يظل السوداني:
•مطاردًا في شوارع القاهرة
•مهانًا في أقسام الشرطة
•منسيًا من دولته
•ومتروكًا من العالم؟
مصر دولة كبيرة، وتاريخها مع السودان طويل،
لكن الأخوّة لا تُقاس بالشعارات، بل بمعاملة الضعيف ساعة ضعفه.
وإذا فشل هذا الامتحان،
فسيبقى في ذاكرة السودانيين جرح لن يندمل بسهولة.






