تشهد إيران تظاهرات شعبية غير مسبوقة تعد من أخطر التحديات التي واجهها النظام منذ قيامه في ظل أوضاع داخلية وخارجية شديدة التعقيد. فقد فجّرت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة موجة الاحتجاجات التي سرعان ما تحولت من مطالب معيشية إلى شعارات سياسية تمس جوهر النظام وطبيعة حكمه. ويأتي ذلك في وقت يعيش فيه النظام الإيراني أضعف حالاته بعدما اعتمد طويلاً على القبضة الأمنية، وعلى استراتيجية التمدد الخارجي وتصدير الثورة وبناء التحالفات الإيديولوجية كوسيلة لتعزيز نفوذه وضمان بقائه.
ويعد النظام الإيراني أحد أكبر وأقوى رعاة الإسلام السياسي في المنطقة، وقد أقام في هذا الإطار تحالفات أيديولوجية وسياسية كان أبرزها تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين. وشكل هذا النهج خطراً مباشراً على المحيط العربي، إذ سعت إيران إلى إنشاء كيانات موازية للدولة الوطنية كما هو الحال مع حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن فضلاً عن كونها الحليف الرئيسي لنظام بشار الأسد في سوريا قبل سقوطه، وتمكينها لقوى شيعية من بسط سيطرتها على العراق عقب سقوط نظام صدام حسين.
ولم يقتصر التمدد الإيراني على محيطه الإقليمي المباشر، بل تجاوز ذلك إلى أفريقيا حيث احتضن النظام الإيراني نظام الإنقاذ في السودان وأقام معه تحالفاً سياسياً وعسكرياً واضح المعالم. وقد حاول نظام الإنقاذ تبني النموذج الإيراني في الحكم، لا سيما عبر إنشاء كيانات أمنية وعسكرية موازية للجيش، بل تفوقه أحيانا في الإمكانات مثل الدفاع الشعبي والأمن الشعبي والدعم السريع وغيرها من المليشيات المسلحة، على غرار الحرس الثوري وقوات الباسيج. كما شملت هذه العلاقة تدريب عناصر من جهاز الأمن السوداني على عقيدة أمنية تقوم على قمع المعارضين وإحكام السيطرة على الدولة والمجتمع.
وقد أسهم هذا التحالف بين نظام الإخوان في السودان والنظام الإيراني في خلق أزمات حادة مع عدد من الدول العربية وشكل تهديدا مباشراً لأمن البحر الأحمر. غير أن تفاقم الأزمة الاقتصادية في السودان عام 2016 دفع نظام الإنقاذ تحت ضغط الضرورة إلى قطع علاقاته مع طهران والانضمام إلى التحالف العربي ضد الحوثيين في اليمن. إلا أن هذه القطيعة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما عاد الإسلاميون “الكيزان” إلى التقارب مع إيران عقب اندلاع الحرب في السودان مستفيدين من سيطرتهم على الجيش ومفاصل الدولة. وتشير معطيات عديدة إلى تقديم إيران دعما عسكرياً لسلطات بورتسودان وهو ما يراه قطاع واسع من السودانيين أحد أسباب إطالة أمد الحرب عبر دعم أحد أطرافها.
وفي ظل التطورات المتسارعة داخل إيران تراقب الولايات المتحدة وإسرائيل المشهد عن كثب استعداداً للتدخل في اللحظة التي تضمن إضعاف النظام أو الإطاحة به. ومن المرجح أن يتركز أي تدخل محتمل على ضرب المنشآت العسكرية والأمنية، وقد يمتد ليطال رأس النظام والصف الأول من القيادات السياسية والعسكرية بما يؤدي إلى إرباكه وانهياره الكامل.
ولا شك في أن سقوط النظام الإيراني إن حدث سيقابل بترحيب واسع في العالم العربي بالنظر إلى الدور الذي لعبه في زعزعة استقرار المنطقة لعقود طويلة وتأجيج الصراعات وتقويض الدولة الوطنية لصالح مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود.







